عمر فروخ

467

تاريخ الأدب العربي

فعلماؤكم مع استظهارهم على العلوم « 1 » كلّ امرئ منهم قائم في ظلّه لا يبرح ، وراتب « 2 » على كعبه لا يتزحزح . يخاف إن صنّف أن يعنّف ، وإن ألّف أن يخالف ولا يؤالف . لم يتعب أحد منهم نفسا في جمع فضائل أهل بلده ، ولم يستعمل خاطره في مفاخر ملوكه ، ولا بلّ قلما بمناقب كتّابه ووزرائه ، ولا سوّد قرطاسا بمحاسن قضاته وعلمائه . على أنّه لو أطلق ما عقل « 3 » الإغفال من لسانه ، وبسط ما قبض الإهمال من بيانه ، لوجد للقول مساغا « 4 » ولم تضق عليه المسالك ولم تخرج به المذاهب ولا اشتبهت عليه المصادر والموارد « 5 » . ولكنّ همّ أحدهم أن يطلب شأو « 6 » من تقدّمه من العلماء ليحوز قصبات السّبق بقدح ابن مقبل بكظم دغفل ، ويصير شجا في حلق أبي العميثل « 7 » . فإذا أدرك بغيته واخترمته « 8 » منيّته دفن معه أدبه وعلمه ، وانقطع خبره . . . وعلماء الأمصار احتالوا لبقاء ذكرهم احتيال الأكياس « 9 » فألّفوا دواوين بقي لهم بها ذكر مجدّد طول الأبد . فإن قلت : إنّه كان مثل ذلك من علمائنا فألّفوا كتبا لكنّها لم تصل إلينا « 10 » . فهذه دعوى لم يصحبها تحقيق لأنّه ليس بيننا وبينكم

--> ( 1 ) استظهارهم : استيلاؤهم ، ظفرهم . ( 2 ) راتب : ثابت في مكانه لا يتزجزح . ( 3 ) عقل : ربط . ( 4 ) المساغ : المجرى ، الطريق . ( 5 ) اشتبه : غمض ، خفيت . المصادر والموارد ( سير الأمور : أوائلها وأواخرها ، أسبابها ونتائجها ) . ( 6 ) الشأو : الأمد والغاية ( النقطة التي يحاول أن يصل إليها المتسابقون ) . ( 7 ) حار قصبات السبق : سبق غيره وتقدّم عليه ( كان على السابق أن يصل إلى آخر الشوط ويتناول هنالك قصبة قبل أن يصل إليها غيره ) . ابن مقبل : شاعر كان في صدر الإسلام الأوّل . قدح ابن مقبل ( النصيب الأكبر ، الظفر التامّ ) راجع ديوان ابن مقبل بتحقيق عزّة حسن ( ص 19 - 20 من المقدّمة ) . دغفل بن حنظلة ( ت 65 ه ) يضرب به المثل في معرفة الأنساب . بكظم دغفل ( وبكظم دغفل ! ) : . . . أبو العميثل هو عبد اللّه بن خليد ( ت 240 ه ) كان حاضر البديهة سريع الجواب مع الإصابة . ( 8 ) اخترمته منيّته ( مات باكرا ) . ( 9 ) الأكياس جمع كيّس : عاقل . ( 10 ) لم تصل إلينا ( أي لم تصل من الأندلس إلى المغرب ) .